فخر الدين الرازي
225
تفسير الرازي
عند الموقف ، فالمراد من قوله : * ( أنظرونا ) * انظروا إلينا ، لأنهم إذا نظروا إليهم ، فقد أقبلوا عليهم ، ومتى أقبلوا عليهم وكانت أنوارهم من قدامهم استضاءوا بتلك الأنوار ، وإن كانت هذه الحالة إنما تقع عند مسير المؤمنين إلى الجنة ، كان المراد من قوله : * ( أنظرونا ) * يحتمل أن يكون هو الانتظار وأن يكون النظر إليهم . المسألة الرابعة : القبس : الشعلة من النار أو السراج ، والمنافقون طمعوا في شيء من أنوار المؤمنين أن يقتبسوه كاقتباس نيران الدنيا وهو منهم جهل ، لأن تلك الأنوار نتائج الأعمال الصالحة في الدنيا ، فلما لم توجد تلك الأعمال في الدنيا امتنع حصول تلك الأنوار في الآخرة ، قال الحسن : يعطى يوم القيامة كل أحد نوراً على قدر عمله ، ثم إنه يؤخذ من حر جهنم ومما فيه من الكلاليب والحسك ويلقى على الطريق ، فتمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر ، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء الكواكب في السماء ، ثم على ذلك تغشاهم ظلمة فتطفئ نور المنافقين ، فهنالك يقول المنافقون للمؤمنين : * ( أنظرونا نقتبس من نوركم ) * كقبس النار . المسألة الخامسة : ذكروا في المراد من قوله تعالى : * ( قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً ) * وجوهاً أحدها : أن المراد منه : ارجعوا إلى دار الدنيا فالتمسوا هذه الأنوار هنالك ، فإن هذه الأنوار إنما تتولد من اكتساب المعارف الإلهية ، والأخلاق الفاضلة والتنزه عن الجهل والأخلاق الذميمة ، والمراد من ضرب السور ، هو امتناع العود إلى الدنيا وثانيها : قال أبو أمامة : الناس يكونون في ظلمة شديدة ، ثم المؤمنون يعطون الأنوار ، فإذا أسرع المؤمن في الذهاب قال المنافق : * ( انظرونا نقتبس من نوركم ) * فيقال لهم : * ( ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً ) * قال : وهي خدعة خدع بها المنافقون ، كما قال : * ( يخادعون الله وهو خادعهم ) * ( النساء : 142 ) فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً ، فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروباً بينهم وبين المؤمنين وثالثها : قال أبو مسلم : المراد من قول المؤمنين : * ( ارجعوا ) * منع المنافقين عن الاستضاءة ، كقول الرجل لمن يريد القرب منه : وراءك أوسع لك ، فعلى هذا القول المقصود من قوله : * ( ارجعوا ) * أن يقطعوا بأنه لا سبيل لهم إلى وجدان هذا المطلوب البتة ، لا أنه أمر لهم بالرجوع . قوله تعالى : * ( فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : اختلفوا في السور ، فمنهم من قال : المراد منه الحجاب والحيلولة أي